الشتا اللى فات بقلم طارق الشناوى

View Comments

سينما تحمل خصوصية المخرج، رغم ذلك فإنها تسعى من أجل أن تجد لنفسها مساحة لدى

الجمهور، أحدثكم عن فيلم إبراهيم البطوط «الشتا اللى فات».

تجاربنا فى هذا المجال لما يمكن أن نطلق عليه سينما مستقلة لا تزال فى البدايات رغم

عشوائية الكلمة التى لم تعد تعبر عن نمط فنى أو إنتاجى محدد، ولكن دعنا نعتبرها مؤقتا

مستقلة، إنها تلك الأفلام التى عندما أراها ألمح نبض المخرج وهو يسيطر على كل مفردات

الشريط السينمائى، الحقيقة أن كل أفلام البطوط منذ «إيثاكى» الذى أخرجه قبل 8 سنوات

ونحن نرى دائما المخرج فى مقدمة الكادر.

الفيلم لا تستطيع أن تقول إنه يرصد ويوثق ثورة يناير بقدر ما يقدم حالة ترى الثورة وهى

تسكن تفاصيلها، اختار البطوط تلك العلاقة الثلاثية التى تجمع بين ناشط سياسى عمرو

واكد، ورجل أمن الدولة صلاح حفنى، ومذيعة تليفزيون فرح يوسف، شاب مصرى يحلم

بالحرية ودفع الثمن فى المعتقل الذى غادره قبل الثورة، ولكنه لا يزال يسكن أعماقه،

ومذيعة تعبر عن الإعلام الذى صار يشكل الوجدان المصرى متأرجحا بين التواطؤ

والوطنية. ثورة يناير فضحت الإعلام بقدر ما فضحت النظام، أمن الدولة مثلا تغير المسمى

بعد الثورة فصار الأمن الوطنى ولكن عقيدة الولاء للسلطة الحاكمة لم تتغير.

الأحداث ليس بها الكثير ولكن الحالة التى قدمها المخرج للشخصيات سواء داخل معتقلات

التعذيب فى أمن الدولة أو وهى تعيش فى المنزل، تجعلنا نرصد الحزن الداخلى والخوف من

القادم وهو تحديدا ما تعانيه كل الشخصيات. الثورة جاءت كأمل قادم يطرق الباب، ولهذا

فإن قتامة المعالجة على المستوى الدرامى والبصرى التى تبناها البطوط تعبر عن موقف

عاشته تلك الشخصيات، وفى نفس الوقت تحمل خوفا مما ينتظرها وينتظرنا فى الغد. حتى

اللقطة التى شاهدنا فيها الثورة بعد أن خرجنا كمشاهدين من عتمة المنزل إلى ضوء الشارع

ظلت شاهدة على مشاعر الخوف الذى لم يغادرنا.

المنهج الذى اتبعه المخرج فى تلك العلاقة الدرامية الثلاثية بين رجل أمن الدولة والناشط

السياسى والمذيعة قائم على تبادل القوة بين كل طرف، مع تغير شروط اللعبة بين الحين

والآخر قبل وبعد الثورة. الفيلم يسعى أحيانا للتوثيق وفى لحظات أخرى يكف عن الرصد أو

يقدم المعلومة ناقصة، وهو بالطبع ليس فيلما توثيقيا، ولكن ما دمت قررت أن تستند إلى

معلومة عليك الاستمرار فى السرد والإخلاص للمنهج الذى اخترته.

أسلوب بطوط فى قيادة ممثليه قائم على الارتجال فى الحوار، وتجد ذلك بمساحة كبيرة فى

فيلمه الثالث «الحاوى» وهو يستمر فى «الشتا اللى فات» متمسكا بمنح الشخصيات حرية

الإضافة لكى تكتشف هى مناطق أبعد على مستوى الأداء والإحساس، ولكن بالطبع المخرج

لديه التوجيه فى الاستوديو، ويملك أيضا القدرة على الضبط بعد ذلك فى المونتاج.

«الشتا اللى فات» فتح أمامه عدد محدود جدا من شاشات العرض، والإيرادات لم تشهد

لصالحه، لأنه يقدم لغة سينمائية مختلفة. لا أتصور بالمناسبة أن تلك اللغة ستصبح هى

السائدة فى السينما المصرية، ستظل لغة موازية فى أسلوب السرد. الفيلم، أى فيلم يقدم

أساسا للجمهور الحالى لا القادم. «الشتا اللى فات» به خصوصية فى التعبير. الممثلون

يقدمون مشاعرهم باقتصاد والمخرج يكثف التعبير. تداخل الأزمنة فى السرد بين الماضى

القريب واللحظة الراهنة يحتاج إلى قدر من التركيز، بينما مزاج الجمهور يميل أكثر إلى

البساطة فى التنقل الزمنى.

مفردات الشباك تخاصمه لأنه لم يسع إليها، ولم يبحث أيضا عنها من أجل أن يكتسب مساحة

جماهيرية لن يضحى برؤية درامية وإخراجية فرضها الشريط لكى يضبط نفسه على موجة

الجمهور.

تقديم رؤية عن الثورة فى فيلم روائى لا يزال غير ممكن التحقق، فى وقت يكتنف الثورة

العديد من التفاصيل التى لم نمسك بها، كما أن التغيير سريع فى إيقاع الواقع، وكثير من

الحقائق عندما نكتشفها ستجعلنا نعيد قراءة المشهد برمته مجددا. الذروة التى نبنى من

خلالها دراميا الحدث لا يزال يجرى تشكيلها. فى لحظة ما تصور البعض أن 11 فبراير هو

نقطة الانطلاق ولكن ما عاشته الثورة بعد ذلك على مدى أكثر من عامين يؤكد أن الرؤية لا

تزال غامضة. بطوط قدم لمحة بينما الجمهور تصور أنه سيرى الثورة ربما كانت هذه

واحدة من أسباب عزوف الجمهور عن الفيلم ولكنها ليست بالتأكيد كل الأسباب.


comments