«فبراير الإسود» خيال كسيح! بقلم طارق الشناوى

View Comments

محمد أمين واحد من السينمائيين الذين لمعوا فى العقد الأخير وهم يحملون شيئًا صادقًا وحقيقيًّا، ومنذ أول انطلاقه فى «فيلم ثقافى» ثم «ليلة سقوط بغداد» وصولًا إلى «بنتين من مصر» وهو يؤكد أنه يمتلك هذا السحر والسر الخاص لحالة التفرّد فى الرؤية، ولهذا ترقّبت فيلمه الجديد «فبراير الإسود»، فهو مخرج لديه قدرة على التأمل الداخلى يسمح لخياله دائمًا أن ينضج على نار الإبداع الهادئة، وأنا لدىّ انحياز مسبق إلى هذه السينما.

مع اللقطات الأولى للفيلم، أطل علىّ لا شعوريًّا فيلم داوود عبد السيد «مواطن ومخبر وحرامى»، كان داوود قبل نحو عشر سنوات قد رأى أن الخطر الأكبر الذى عاشته مصر يتجسّد فى زواج السلطة برأس المال بأدعياء الدين.. هذه المرة نحن بصدد دائرة قريبة أو تنويعة درامية على نفس «التيمة»، الرؤية التى تبنّاها المخرج تشير إلى أن النظام يقصى رجال العلم، ولكنها تقف على الحياد من رجال الدين رغم أنهم يشكّلون الخطر الأكبر بعد ثورة 25 يناير.

نقطة الانطلاق تبدأ من خلال رجل العلم خالد صالح، الذى يكتشف أن الدولة تفرض حماية فقط لرجال الأمن والقضاء وأصحاب رؤوس الأموال.. يلجأ أمين إلى «الفانتازيا» الإغراق فى الخيال، وهو منهج يتّبعه منذ «فيلم ثقافى» ووصل للذروة فى فيلم «سقوط بغداد»، كنت ألاحظ أحيانًا قدرًا من الغلظة فى التعبير اللفظى والحركى، ولكن إجمالًا كنت أقف على نفس الشاطئ.. فى فيلمه «فبراير الإسود» كانت لديه فكرة رائعة، ولكن الحالة نفسها فى التعبير السينمائى على مستوى كتابة السيناريو لم تحقّق أى وهج، حتى أبطاله أراهم مطفئين، خالد صالح الذى كانت له أعمال فنية عديدة، يمنحها قدرًا من الخصوصية، وتشع ضوءًا، هذه المرة كان هناك شىء من الظلام يغلّف ليس فقط الأحداث، ولكن الشخصيات حتى فى المشاهد التى كان من المفروض أن تبعث على الضحك، لم تثر فى الكثير من الأحيان سوى النفور.

بطلة الفيلم ميار الغيطى، ابنة خالد صالح، هى الحافز لاكتشاف رغبة بطل الفيلم فى توفير الحماية، فهو فى بداية الأحداث يضيع هو وأفراد عائلته فى الصحراء عندما كان فى طريقه إلى الواحات بسبب عاصفة رملية، ويكتشف أن الدولة لا تهتم سوى بإنقاذ رجل أمن الدولة ورجل القضاء ورجل الأعمال، هؤلاء هم الذين تضعهم السلطة الحاكمة فى نِنّى العين، أما العلماء أمثال بطلنا فهم خارج الحماية، ولا تنقذه هو وعائلته سوى الكلاب، ولهذا يقرّر أن يفسخ خطوبة ابنته ميار من أحد العلماء الشباب، ويبحث لابنته عن عريس من أمن الدولة، وعندما يترك الخدمة ينتقل إلى المستشار، وعندما يختلف مع الدولة يتركه بحثًا عن حماية ثالثة المؤكد ستكون من رجل الأعمال، نصل بالفيلم زمنيًّا إلى فبراير 2011 الذى تمت الإطاحة فيه بمبارك، ولكنه اعتبره الأسود، وهو ينهى الفيلم بعلامة استفهام كبيرة، حيث لا ندرى على وجه الدقة أين يتّجه الوطن. الفيلم مكتوب بعد الثورة والمخرج يعيش بالتأكيد نفس الهواجس التى تسكننا كمصريين يشعرون بأن فريقًا بعينه يسرق الثورة ويريد أن يلوّن المجتمع، وينسى أن الإنسان المصرى ضارب فى عمق التاريخ، لا يمكن إعادة صياغته، إنه مثل البعض منا يبحث عن وطن بديل بعد أن تنكّر له وطنه وفى مشوار البحث لم ينسَ المخرج أن يقدّم تنويعة عن تواطؤ الإعلام من خلال فبركة المكالمات التليفونية وبالطبع هو متأثّر بأشهر مكالمة فى أثناء ثورة يناير لتامر بتاع غمرة، كما أنه يضيف إلى الأحداث قدرًا من السخرية من خلال انحياز مبارك لكرة القدم ونجومها.

السينما المصرية قدَّمت قالب «الفانتازيا» منذ الأربعينيات، حيث تجد إرهاصات للمخرج عباس كامل، وجاءت نقطة فارقة مع الكاتب والمخرج رأفت الميهى، فى «الأفوكاتو»، كما أن بدايات شريف عرفة والكاتب ماهر عواد منذ فيلم «الأقزام قادمون» كانت تسير فى نفس الاتجاه.

الجمهور بالطبع قال رأيًا سلبيًّا فى الفيلم من خلال تلك الإيرادات الضئيلة التى يحقّقها، أقصد لم يحقّقها، الفيلم بالطبع يتحمّل القسط الأكبر من حالة البرودة الجماهيرية.

إنه فيلم جاد ولا شك، ولكن ينبغى أن لا نعتبر أن مجرد الإخلاص فى التناول هو ما يدفعنا لتأييد الفيلم الذى يفتقر إلى حالة الوهج، نعم هو خيال درامى، ولكنه يبدو على الشاشة خيالًا كسيحًا!

 

comments