حرامى قوى وعبيط ع الآخِر! بقلم طارق الشناوى

View Comments

الرغبة فى الجمع بين الخالدين صالح والصاوى تشعرنى بأنها جاءت بناء على طلب

الجماهير، حيث إن كلا من النجمين يجمعهما شىء مشترك، وهو أنهما أولا ممثلان

موهوبان، ثانيا لم يصلا بعد إلى مصاف نجوم الشباك «سوبر ستار».

فى العادة لا تستطيع أن تقول إن اللقاء جاء مجرد سيناريو اكتشف المخرج محمد مصطفى

أن الصاوى وصالح هما الأقرب إليه، ولكن يشعرنى السيناريو الذى كتبه أحمد عبد الله أن

الأمر ليس عفويا، بل هناك إرادة وتخطيط مسبق لتقديم حالة من الثنائية تسمح بوجود

النجمين فى عمل درامى قائم على التوازى فى المشاهد وأيضا على التناقض فى البناء الفنى

لكل من الشخصيتين. إنهما على طرفى نقيض، الحرامى أو إن شئت الدقة البلطجى والعبيط

أو المجذوب، كان من الممكن أن تتخيل كل نجم فى الدور الذى لعبه الآخر، فكل منهما من

الممكن أن يطل على الشخصية بزاوية رؤية خاصة، إلا أن ما حدث هو أن كلا منهما قرر أن

يمعن فى الشخصية ويصل بتفاصيلها إلى الحد الأقصى، العبيط عبيط «ع الآخر» بينما

البلطجى بلطجى حتى آخر نفس. كل منهما لعب على أغلظ منطقة فى الأداء ليسرق الكاميرا

من الآخر، «شفرة» الأداء صارت تتوجه للمبالغة، شاهدنا مباراة فى التعبير الزاعق حركيا

وجسديا، صالح يزيد مساحة اللعثمة والغياب والشعوذة والتوهان ليبدو خارج الزمن تماما

رغم أن مكونات الشخصية دراميا، والتى استعدنا منها لحظات بين الحين والآخر، من خلال

أكثر من «فلاش باك» تسمح برؤية الواقع، حيث نرى خيانة وبلطجية يضربونه، أى أنه من

الممكن أن يستعيد نفسه، وبالطبع لو تخيلنا أنه كلما ضرب بلطجية مواطنا شريفا أو أهانوه

فيصبح مجذوبا أو درويشا فإن مصر، خصوصا بعد الانفلات الأمنى الذى تعيشه منذ الثورة

سنصبح كلنا مجاذيب. البلطجى أو الحرامى أراد الصاوى، والحال كذلك، أن يمنح شخصيته

قدرا من خفة الظل على طريقة عادل أدهم الذى كان لديه ميزان حساس يضيف لمحة

للشخصية الشريرة ويكسر أحيانا حالة التمثيل ليخاطب الجمهور عبر الحديث مع الكاميرا

التى هى المعادل الموضوعى للمتفرج، وهو ميزان دقيق كان يأتى مضبوطا ومقننا مع

أدهم، وهو ما لم يحققه الصاوى، وهكذا يصبح كسر هذا الخط الوهمى فى حالة الصاوى

متعسفا. الفيلم يبدأ بأسلوب الراوى يحكى صاوي عن شخصيات الحارة التى يعيشها يقدم لنا

العبيط وأمه عايدة عبد العزيز وحبيبته الممرضة روبى ليمسك يد الجمهور للدخول إلى

العمل الفنى بأقل عدد ممكن من المشاهدين، كما أنه بعد أن لقن الجمهور الحالة الشخصية

والدرامية يتركه ليتعايش.

قرأت مرة حكمة فى تفسير حالة الإبداع الفنى تقول «إن الآلهة تنعم علينا بمطلع القصيدة

وعلينا نحن أن نكمل الباقى» أى أن هناك إلهاما ولكنه فقط فى الومضة الأولى، وبعد ذلك

يصبح على المبدع أن يكمل بالجهد المضنى، ما فعله أحمد عبد الله رغم أنه أكثر كتّاب هذا

الجيل موهبة إلا أنه اكتفى بالفكرة التى تجمع بين الحرامى والعبيط، وكتب السطر الأول ولم

يكمل الباقى، كان عليه أن يملأ الشاشة نحو ساعتين فلم يجد ما يقدمه سوى أن يدخل إلى

فكرة زرع الأعضاء وبيعها معتقدا أن هذه اللعبة الدرامية تكفى لاستكمال الحالة، رغم أن

العلاقة بينهما كانت تشى وتحمل ثراء فكريا ونفسيا لو تأمله لكان يعود بشاشة أكثر تشويقا

وإمتاعا، كنت أشعر أن قطار الدراما كثيرا ما يتوقف ويخشى أن ينام الجمهور وهو جالس

على مقعده فيقرر المخرج إيقاظه فيمنحه.

وفى أكثر من مشهد نرى البلطجية يعتدون على خالد الصاوى وعندما لا يجد أمامه إمكانية

تحقيق ذلك يتذكر خالد صالح كيف اعتدى عليه البلطجية.

المخرج محمد مصطفى كان أقرب لمنهج المخرج المنفذ، فلقد ترك ممثليه الأساسيين كل

منهما يزايد فى الحالة كما أنه لم يوجه روبى فكانت فى مشاهد قليلة مقنعة، وفى القسط

الأكبر مجرد مرددة للحوار، ولم يستطع ضبط مشاهد الخناقات، حيث كان الافتعال فى

التنفيذ، فهم يمثلون أنهم يمثلون. كثيرا ما كنت أترقب اللقاء بين الخالدين وأتصور أن

الجمهور أيضا كان يترقب، ولكن ما انتظرناه طويلا طويلا جاء هزيلا هزيلا!

comments